ابن كثير

169

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

اليوم عطاش ، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه ، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ، ثم يجيبهم إِنَّكُمْ ماكِثُونَ فييأسون من كل خير » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 83 ] فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) يقول تعالى آمرا لرسوله عليه الصلاة السلام فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ أي ردك اللّه من غزوتك هذه إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ قال قتادة : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ أي معك إلى غزوة أخرى فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا أي تعزيرا لهم وعقوبة ، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وهذا كقوله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 110 ] الآية ، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، كقوله في عمرة الحديبية سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها [ الفتح : 15 ] الآية . وقوله تعالى : فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ قال ابن عباس : أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة ، وقال قتادة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي مع النساء قال ابن جرير وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون ولو أريد النساء لقال فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات ، ورجح قول ابن عباس رضي اللّه عنهما . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 84 ] وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ( 84 ) أمر اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات ، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا عليه وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه ، وإن كان سبب نزول الآية في عبد اللّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد اللّه بن أبي « جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما خيرني اللّه فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] وسأزيده على السبعين » قال : إنه منافق . قال فصلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه عز وجل آية وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ « 1 » ، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة به ، ثم رواه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 9 ، باب 12 ، ومسلم في المنافقين حديث 4 ، وفضائل الصحابة حديث 25 ، وأحمد في المسند 2 / 18 .